صحيح أن عصر التكنولوجيا والإنترنت هما أحد انعكاسات العولمة القائلة بدمج العالم كله ضمن قرية كونية صغيرة نتعرف من خلالها على ثقافات وحضارات الشعوب كافة، إلا أن هذا الانعكاس ساهم بظهور حرية التعبير عن الرأي عن طريق الصحافة والإعلام لكل ما يريده الشعب، لكن مدى انتشار ذلك بين الأوساط الاجتماعية يعود في البداية لطبيعة الحكم السائد وإيديولوجيته الفكرية.
الصحافة أحد مؤشرات تجلي العولمة في البلاد العربية، بينما في سوريا منذ أن استلم حكمها آل الأسد تحولت العولمة الغربية عندهم إلى عولمة ملكية انضوى خلالها الشعب السوري هو وأعماله ليجسد فيها إنجازات العائلة الحاكمة على حد زعمهم عبر وسائل الإعلام التابعة والمروجة له.
أدرك النظام السوري أهمية الإعلام وخطورته على وجوده كنظام عام بعد انقلاب الثامن من آذار، لذلك حصر الصحف ضمن ثلاث (البعث، الثورة، تشرين) وأوقف كل ما سبقها، لتبقى الصحف السورية مقتصرة على ثلاثة أنواع كل منها يتبع للجهة التي تصدره ويعمل وفق توجهاتها ويجني على خلفيتها ثروة مالية هائلة، أولها ما يخدم الأحزاب وتصدر باسمهم (جريدة النور)، وثانيها التي يمتلكها أبناء المسيطرين سياسياً ( جريدة الوطن) التابعة لشركة شام وممولها رامي مخلوف أبن خال الرئيس، وثالثها الخاصة بالمقربين من الجهات الحكومية ( صحيفة بقعة ضوء).
لعبت الصحافة دوراً حاسماً في تبديل مجريات الأحداث على مر التاريخ، وهذا ما حصل في سوريا عندما اندلعت ثورتها بفعل الشباب المنفتحين على العالم الخارجي فبعد حادثة اعتقال أطفال درعا لمجرد أنهم كتبوا على جدران مدارسهم عبارات مناهضة لنظام الأسد متأثرين بما شاهدوه وسمعوه على شاشات التلفزة الذي هو نوع من أنواع الصحافة الظاهرة في القرن الماضي، تلاه ناشطون على الفيس بوك أطلقوا حملة بعنوان ” الثورة السورية ضد بشار الأسد” ومن هنا بدأ تأثير الإعلام بالظهور في سوريا، والذي لا يمكن لأكبر لحاكم أن يقمعه أو يحجب ذاك الاجتياح الالكتروني.
عمد بشار الأسد بعد ذلك إلى إلقاء الخطابات بلهجة إصلاحية اقتصادية وإدارية، متناسياً الإصلاحات السياسية التي هي مطلب الشعب ويتجلى من خلالها الرأي الآخر له طالما غيبها منذ أن استلم آل الأسد حكم سوريا، وكان من الممكن أن يفعّل المادة 38 من الدستور التي تنص أن ” لكل مواطن الحق في أن يعرب عن رأيه بحرية وعلنية بالقول والكتابة وكافة وسائل التعبير الأخرى “، فالعكس لما ذُكر كان واضحاً عندما فرض النظام الرقابة الأمنية الشديدة على كل من يحاول النهوض بمجال الصحافة والإعلام، حتى الصحف أو المجلات إن صدرت لهم بقيت تحت رحمة الأجندة السورية وفي خدمتهم مع الضرائب المفروضة عليهم لإغناء خزينتهم.
ظل الإعلام وحرية الرأي والتعبير أسرى يتلاعب بهم النظام السوري كما يشاء، بالتالي أصبحوا عقبة كبرى في تطور ثقافة الحوار والرأي الحر في سوريا، أمام ما ينشره النظام من اخبار وتقارير وأقوال من المواطنين كاذبة ادعى أنها تمثل الرأي العام خاصة في ظل الأزمة السورية.
من المفترض أن تؤدي الصحافة وظيفتها بشكل موضوعي بعيد عن الانحيازات السياسية والذاتية القابعة تحت كنف حكم معين لكي تكون قد حققت شيئاً من مبادئها ولا سيما الشفافية، الحيادية، المصداقية، الوضوح، المرونة، لأن غايتها في الأول والأخير إيصال المعلومة والحدث الاقتصادي أو الاجتماعي مع السياسي بشكل حقيقي يؤدي في النهاية للتقارب بين المرسل والمتلقي وتحدي الجمود الفكري في البلاد سواء كان صحافة مقروءة أو مسموعة أو مرئية، فهي على حد قول ” بورك الإنكليزي ” السلطة الرابعة القادرة على إبراز صوت الرأي العام.
*المركز الصحفي السوري – محار الحسن