حققت سوريا قفزة تاريخية غير مسبوقة في مؤشر حرية الصحافة لعام 2026، الصادر عن منظمة مراسلون بلا حدود،حيث صعدت 36 مركزًا دفعة واحدة لتحتل المرتبة 141 من أصل 180 دولة، مقارنة بالمركز 177 في عام 2025، و179 في عام 2024.
ووفق التقرير، سجّلت سوريا أكبر تحسن عالمي هذا العام، في تحول لافت بعد سنوات طويلة من وجودها ضمن أسوأخمس دول في حرية الصحافة.
مقارنة رقمية.. أين حدث التحسن فعليا؟
تكشف الأرقام الواردة في تقرير مراسلون بلا حدود أن القفزة السورية لم تكن متساوية بين المؤشرات، بل تركزت فيمجالات محددة، فقد سجل المؤشران الاقتصادي والاجتماعي ارتفاعا كبيرا يُقدّر بنحو 70 نقطة لكل منهما، وهو مايعكس توسعا سريعا في النشاط الإعلامي، وازدياد عدد المؤسسات والمنصات، إضافة إلى بيئة أكثر تقبلًا لوجودالصحافة وتفاعلها مع المجتمع.
في المقابل، جاء التحسن في المؤشرين القانوني والأمني بحدود 30 إلى 35 نقطة، ويشير إلى أن الإطار الناظم للعملالصحفي، وكذلك الضمانات الأمنية، لا تزال في مرحلة التطوير ولم تصل بعد إلى مستوى الاستقرار الكامل.
أما المؤشر السياسي، فرغم تحسنه، فإنه يظل الأكثر ارتباطًا بطبيعة المرحلة الانتقالية، حيث يتأثر مباشرة بمستوىالانفتاح العام وحدود النقد المسموح به بمعنى آخر، البيئة الإعلامية في سوريا اتسعت بسرعة، لكن القواعد التي تحميها وتنظمها لم تتطور بالوتيرة نفسها.
رواية رسمية.. توسع غير مسبوق
في تعليق رسمي، أكد الاستاذ عبادة كوجان معاون وزير الإعلام في سوريا لمعهد مصداقية الصحافة أن هذا التحسن جاء نتيجة “إعادة ترتيب البيت الداخلي من الصفر”، مشيرًا إلى الانتقال من نموذج إعلامي دعائي إلى بيئة أكثر انفتاحًا.
وأوضح أن الوزارة منحت أكثر من 600 ترخيص لمؤسسات ومنصات إعلامية، مع دراسة ما يزيد عن 400 طلبإضافي، معتبرًا أن هذه الأرقام “غير مسبوقة في تاريخ سوريا“.
كما أشار إلى تسهيل عمل الصحفيين المحليين والدوليين، وتحسين الوصول إلى المعلومات، إلى جانب تقديم دعم قانونيفي بعض القضايا، مؤكدًا أن حالات تقييد العمل الصحفي تكاد تكون معدومة.
تغييرات إجرائية في التراخيص والرقابة
وفي هذا السياق، أوضح الاستاذ عمر حاج أحمد مدير الشؤون الصحفية في وزارة الإعلام أن آلية منح التراخيص شهدت “تغييرًا جذريًا”، حيث تم تقليص الشروط إلى متطلبات أساسية بعد أن كانت تتضمن أكثر من 20 شرطًا،معظمها ذو طابع أمني.
وأشار إلى منح أكثر من 470 ترخيصًا خلال فترة قصيرة، مع مدة معالجة تتراوح بين أسبوعين وشهر، ودون تسجيل حالات رفض لطلبات مكتملة الشروط حتى الآن.
وأضاف أن الوزارة انتقلت إلى نموذج “الرقابة البعدية” بدلًا من القبلية، مع اعتماد مدونة سلوك مهنية، على أن تتولىلجنة مستقلة مستقبلًا الإشراف على تطبيقها.
من الميدان: حرية أوسع… وحدود قائمة
رغم هذا التقدم، تعكس شهادات صحفيين صورة أكثر تعقيدًا تقول الصحفية دانة سقباني لمعهد مصداقية الصحافة إن هامش الحرية توسّع بشكل واضح، وأصبح بإمكان الصحفي “نشر رأيه دون الخوف الذي كان سائداً سابقًا”، لكنها تشير في الوقت نفسه إلى استمرار “خطوط حمراء”،إضافة إلى ضغوط مهنية مثل الخشية من النبذ الوظيفي.
وتضيف أن البيئة الإعلامية لا تزال في مرحلة تشكّل، وأن فهم حرية التعبير وتداعياتها “يحتاج إلى وقت”، خاصة فيظل التأثير الكبير لمنصات التواصل الاجتماعي على المشهد الإعلامي.
في المقابل، يرى الصحفي عروة درويش أن التحدي الأبرز يتمثل في “غياب الوضوح القانوني”، حيث لا تزال إجراءاتالتوقيف أو المساءلة تفتقر إلى مسار قانوني محدد وواضح للطعن.
كما يشير إلى مخاوف من استخدام بعض الأدوات القانونية بشكل انتقائي، إضافة إلى استمرار مخاطر أمنية غيرمباشرة، خاصة خارج العاصمة، حيث تبقى بيئة العمل الصحفي أقل استقرارا.
قفزة ضمن نمط دولي.. من تونس إلى إثيوبيا
القفزة السورية التي تعتبر فريدة في تاريخ تقارير المنظمة، لكنها ليست الوحيدة. ففي إثيوبيا عام 2019، صعدت البلاد نحو 40 مركزًا دفعة واحدة بعد إصلاحات سياسية وإعلامية، بينما حققت تونس عام 2012 قفزة بنحو 30 مركزًا عقب التغيير السياسي الذي شهدته البلاد.
وبمقارنتها بهذه الحالات، تأتي القفزة السورية (36 مركزًا) ضمن أكبر التحولات المسجلة في تاريخ المؤشر.
داخل غرف الأخبار: كيف تُدار الرواية؟
في سياق موازٍ يوضح الاستاذ أحمد الديري مدير قسم المدخلات (Input) في تلفزيون سوريا — الذي وصفه تقريرمراسلون بلا حدود كوسيلة ذات تأثير بارز في المشهد الإعلامي السوري — أن التعامل مع الروايات المتناقضة لايُحسم من قبل المراسلين، بل عبر قرار تحريري مشترك داخل غرفة الأخبار.
ويشير إلى اعتماد آلية ترجيح تقوم على التحقق من الأدلة (وثائق، تسجيلات، مصادر مفتوحة)، إلى جانب مقارنةالروايات مع تقارير وكالات الأنباء، وتطبيق قاعدة “المصادر المتعددة”، بحيث يتم تأكيد الخبر عبر أكثر من مصدرمستقل كلما أمكن.
وفيما يتعلق باختيار المحتوى، يلفت الديري إلى أن بعض المواد قد لا تُبث رغم دقتها، إذا اعتُبرت غير متوازنة أو قد تُفهم كمنحازة، موضحًا أن “الدقة وحدها لا تكفي دون مراعاة التأثير العام”، خاصة في بيئة ما بعد النزاع، حيث تُؤخذ بعين الاعتبار معايير مثل تجنب التحريض أو الإضرار بالسلم المجتمعي.
بين المؤشر والواقع
بينما ارتفعت المؤشرات المرتبطة بالانفتاح العام وتوسّع النشاط الإعلامي، لا تزال المؤشرات المرتبطة بالحماية والاستقرار تسجل تحسنًا أبطأ، ما يطرح تساؤلات حول مدى استدامة هذا التقدم.
وحذرت المنظمة من أنه لا تزال سوريا تندرج ضمن “المنطقة الحمراء” في المؤشر الأمني (المركز 154)، مما يعني أن المخاطر لم تنتهِ تماماً، وأن الهياكل الأمنية لا تزال في مرحلة انتقالية هشة. كما حذر التقرير من أن “الحرية الوليدة” تحتاج إلى حماية قانونية مستدامة لمنع الانزلاق نحو استبداد جديد أو فوضى إعلامية.
يأتي هذا التحسن السوري في وقت حذر فيه التقرير من تراجع عالمي عام؛ حيث وصلت مستويات حرية الصحافة دولياً إلى أدنى مستوياتها منذ ربع قرن. وبينما سجلت دول مثل النيجر أكبر تراجع عالمي (37 مركزاً للخلف)، كانت سوريا تسير عكس الاتجاه العالمي تماماً وبسرعة قياسية.
دعم ميداني نقابي
من جهته، يشير الاستاذ براء عثمان عضو المكتب التنفيذي في اتحاد الصحفيين السوريين إلى أن الاتحاد عمل خلال الفترة الماضية على تحسين بيئة العمل عبر إجراءات عملية، من بينها إطلاق منصة لتلقي شكاوى الصحفيين، إلىجانب متابعة القضايا عبر فروعه في المحافظات.
ويوضح عثمان أن الاتحاد تدخل في عدة حالات ميدانية، شملت تأمين سلامة صحفيين تم توقيفهما أثناء التغطية،إضافة إلى متابعة إصابة صحفي خلال اشتباكات في حلب وتقديم الدعم اللازم له.
كما أطلق الاتحاد برامج تدريبية وورش عمل بالتعاون مع جهات دولية، ركزت على مكافحة التضليل الإعلامي وتعزيزالسلامة المهنية والتصدي لخطاب الكراهية.
وفيما يتعلق بالانتقادات حول استقلاليته، يؤكد عثمان أن الاتحاد “لم يواجه تدخلًا مباشرًا في عمله”، مشيرًا في الوقتنفسه إلى أن بعض التحديات لا تزال مرتبطة بالإطار القانوني القائم، والذي يتطلب تطويرًا تدريجي.